جائزة نوبل للكيمياء 2025: كيف غيّرت الأطر المعدنية العضوية مستقبل المادة والطاقة؟
جائزة نوبل للكيمياء 2025 تُكرّم روبسون، كيتاغاوا، وياغي لتطوير الأطر المعدنية العضوية التي أحدثت ثورة في تخزين الطاقة، وتنقية المياه، والتقاط الكربون.
أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في أكتوبر 2025 عن منح جائزة نوبل للكيمياء لكل من سوسومو كيتاغاوا (Susumu Kitagawa) من اليابان، وريتشارد روبسون (Richard Robson) من أستراليا، وعمر م. ياغي (Omar M. Yaghi) من الولايات المتحدة الأمريكية، تقديراً لإسهامهم الثوري في تطوير نوع جديد من البنى الجزيئية يُعرف باسم الأطر المعدنية العضوية (Metal–Organic Frameworks – MOFs).
وقد وُصفت هذه البنى بأنها «غرف جديدة للكيمياء»، لما تتيحه من فضاءات داخلية واسعة يمكن للجزيئات أن تدخلها وتخرج منها بحرية، مما جعلها تُستخدم في مجالات متعددة تمتد من تنقية المياه واستخلاص الماء من هواء الصحراء إلى احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزين الهيدروجين وتحييد الغازات السامة.
جاء هذا التتويج تتويجاً لمسار بحثي طويل امتد لأكثر من أربعة عقود، شهد فيه علم الكيمياء تحوّلاً من بناء الجزيئات إلى هندسة الفراغات الجزيئية؛ أي تصميم مواد مسامية ذات خصائص محددة سلفاً على المستوى الذري. لقد فتح هذا الإنجاز آفاقاً جديدة لمفهوم "البنية الكيميائية"، حيث أصبح بإمكان العلماء بناء مواد بقدرات غير مسبوقة على الامتصاص، والتخزين، والتحفيز، وحتى المعالجة البيئية.
السير الذاتية للعلماء
سوسومو كيتاغاوا
وُلد سوسومو كيتاغاوا عام 1951 في كيوتو باليابان. حصل على الدكتوراه في الكيمياء غير العضوية من جامعة كيوتو عام 1979، وعمل في عدد من المؤسسات البحثية اليابانية، قبل أن يتبوأ موقعاً بارزاً في جامعة كيوتو حيث قاد مركز أبحاث المواد المتقدمة.
عُرف كيتاغاوا بمبدأه البحثي الذي يلخصه بقوله: «ابحث عن فائدة ما يبدو عديم الفائدة»، وهو المبدأ الذي وجّه أبحاثه حول المواد المسامية. ففي تسعينيات القرن الماضي، استطاع تطوير أولى الهياكل المعدنية العضوية القادرة على امتصاص الغازات وتحريرها دون أن تنهار بنيتها، مما فتح الباب أمام مفهوم المسامية الديناميكية، حيث يمكن للمادة أن تتنفس كما لو كانت "كائناً جزيئياً" مرناً. يُعد كيتاغاوا أحد أبرز الكيميائيين اليابانيين في مجال الكيمياء التنسيقية، وحصل على العديد من الجوائز الدولية قبل نوبل، منها جائزة اليابان (Japan Prize) عام 2020، تقديراً لإسهاماته في تطوير مواد ذكية قابلة للتطبيق في مجالات الطاقة والبيئة.
ريتشارد روبسون
ينتمي ريتشارد روبسون إلى الجيل الذي مهد الطريق لهذا المجال. وُلد عام 1946 في أستراليا، وتخرّج من جامعة ملبورن حيث عمل لاحقاً أستاذاً للكيمياء غير العضوية. في منتصف السبعينيات، وبينما كان يدرّس لطلابه باستخدام نماذج خشبية لتمثيل الذرات والروابط، خطرت له فكرة غير مسبوقة: إذا كانت مواقع الثقوب في الكرات الخشبية تحدد شكل الجزيء تلقائياً، فهل يمكن استغلال الخصائص الطبيعية للذرات لبناء هياكل ثلاثية الأبعاد ضخمة ومنتظمة؟
حوّل روبسون هذه الفكرة إلى واقع تجريبي في الثمانينيات، حين نجح في بناء أول بلورة جزيئية واسعة المسام باستخدام أيونات النحاس وجزيئات عضوية متعددة الأذرع. كانت تلك أول نواة حقيقية لما سيُعرف لاحقاً بالأطر المعدنية العضوية. ورغم أن مواده الأولى كانت غير مستقرة، فإنها فتحت باباً جديداً أمام الكيمياء البنائية، وجعلته بحق رائد فكرة الربط المنهجي بين المكونات الجزيئية لبناء مواد مسامية.
عمر م. ياغي
أما عمر محمد ياغي، فقد وُلد عام 1965 في عمّان بالأردن، ونشأ في بيئة متواضعة خالية من مقومات الرفاه العلمي. غير أن شغفه بالعلم قاده مبكراً إلى عالم الكيمياء، ثم إلى الولايات المتحدة في سن الخامسة عشرة. حصل على الدكتوراه من جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين عام 1990، وعمل لاحقاً في جامعات أريزونا، وميشيغان، وكاليفورنيا (بيركلي).
في منتصف التسعينيات، صاغ ياغي مصطلح Metal–Organic Framework في بحث نشره في مجلة Nature، وأطلق العنان لثورة في علم المواد عبر تطويره للمركب MOF-5 عام 1999، وهو أول إطار معدني عضوي مستقر حرارياً وواسع المساحة السطحية لدرجة أن بضعة غرامات منه تحتوي على مساحة تساوي ملعب كرة قدم.
واصل ياغي تطوير المفهوم نحو ما سماه لاحقاً الكيمياء الشبكية (Reticular Chemistry)، وهي علم تصميم وربط الوحدات الجزيئية لبناء مواد ذات بنى متكررة ومحددة هندسياً، تُستخدم اليوم في احتجاز الكربون، وتحلية المياه، وتخزين الطاقة، وحتى في جمع الماء من هواء الصحراء. ويُعد ياغي من أكثر الكيميائيين استشهاداً في العالم، وحاز جوائز رفيعة مثل جائزة وولف في الكيمياء (2023) وجائزة بريستلي من الجمعية الكيميائية الأمريكية (2024).
تاريخ الإنجاز المحقق
ريتشارد روبسون
في عام 1974، كان روبسون يعمل أستاذاً في جامعة ملبورن الأسترالية، مكلفاً بتحضير نماذج خشبية تُستخدم لتعليم الطلاب كيفية ارتباط الذرات داخل الجزيئات. كانت الفكرة بسيطة: كرات تمثل الذرات، وعيدان تمثل الروابط الكيميائية. لكن روبسون لاحظ أمراً بالغ الأهمية أثناء إعداد هذه النماذج؛ إذ كانت مواقع الثقوب التي تُثبّت فيها العيدان على الكرات تُحدّد تلقائياً الشكل الهندسي الصحيح للجزيء، سواء كان رباعي الوجوه كما في ذرة الكربون، أو مستوياً كما في ذرة النيتروجين.
من هذه الملاحظة البسيطة وُلد السؤال الذي سيغيّر مجرى الكيمياء البنيوية:
هل يمكن أن تُستخدم الخصائص الطبيعية للذرات نفسها لبناء هياكل ضخمة ومنتظمة، تشبه في دقتها النماذج التعليمية ولكن على المستوى الجزيئي؟
بعبارة أخرى، هل يمكن تصميم مواد تتكوّن من لبنات معدنية وروابط عضوية تتجمع تلقائياً في أشكال بلورية ذات فراغات داخلية محسوبة؟ هذه الفكرة – التي بدت آنذاك شبه خيالية – كانت النواة الأولى لمفهوم الأطر المعدنية العضوية.
ظلّت الفكرة تراود روبسون لأكثر من عقد، حتى قرّر في منتصف الثمانينيات تحويلها إلى تجربة فعلية. استوحى تصميمه من بنية الماس، حيث ترتبط كل ذرة كربون بأربع ذرات أخرى لتشكّل هيكلاً ثلاثي الأبعاد متيناً. استبدل روبسون ذرات الكربون بـ أيونات النحاس الموجبة (Cu⁺)، واختار جزيئاً عضويّاً رباعي الأذرع هو 4′,4″,4”’,4””-تتراسيانوتترافينيل ميثان، يحتوي في نهايات أذرعه على مجموعات نتريل (–C≡N)، وهي مجموعات قادرة على الارتباط بأيونات النحاس.
عند مزج المادتين في محلول، توقّع كثير من الكيميائيين أن ينتج عن التفاعل مزيج فوضوي أشبه بـ"عشّ عصفور" من الجزيئات والذرات. لكن النتيجة كانت مختلفة تماماً: إذ نظّمت المكونات نفسها تلقائياً في شبكة بلورية منتظمة ذات تجاويف واسعة وممرات مفتوحة بين وحداتها. كان ذلك أول مثال واضح على إمكانية بناء مادة ذات مسامية مرتّبة على المستوى الذري باستخدام تصميم كيميائي عقلاني.
نشر روبسون نتائج تجربته عام 1989 في Journal of the American Chemical Society، مشيراً إلى أن هذا النهج الجديد قد يفتح طريقاً نحو فئة جديدة من المواد "ذات خصائص لم تُرَ من قبل". ورغم أن المواد التي حصل عليها كانت هشة وغير مستقرة نسبياً، فإنها مثّلت برهاناً عملياً على صحة الفكرة.
لم يكتفِ روبسون بتلك التجربة، بل واصل في السنوات التالية بناء أشكال جديدة من الشبكات الجزيئية المسامية. وفي إحدى تجاربه، غمر إحدى هذه الشبكات في محلول يحتوي على أيونات مختلفة، ولاحظ أن الأيونات داخل الشبكة استُبدلت تلقائياً بأيونات من المحلول دون أن ينهار البناء البلوري. كانت هذه الملاحظة المبكرة دليلاً على قدرة هذه المواد على التبادل الأيوني والانتشار الداخلي، أي على التفاعل مع البيئة دون فقدان بنيتها.
رغم الطابع الريادي لعمل روبسون، لم يلقَ في البداية ترحيباً واسعاً في الأوساط العلمية. فقد كانت المواد التي يصنعها عرضة للتفكك، وبدت للوهلة الأولى غير عملية بالمقارنة مع المواد المعروفة آنذاك مثل الزيولايتات (Zeolites)، وهي مواد سيليكاتية مسامية مستقرة تُستخدم منذ عقود في التحفيز والامتصاص. إلا أن عدداً قليلاً من الباحثين أدركوا أن عمل روبسون يحمل في طيّاته إمكانات هائلة، وأن الهشاشة التي تعانيها هذه المواد قد تكون مرحلة عابرة في تطوّرها. من بين هؤلاء الذين التقطوا الخيط لاحقاً كان سوسومو كيتاغاوا في اليابان وعمر ياغي في الولايات المتحدة، واللذان سيحوّلان الفكرة إلى علم متكامل ومنهج تصميمي متين خلال التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.
اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على تلك اللحظة التعليمية البسيطة في مختبر جامعة ملبورن، يُنظر إلى ريتشارد روبسون على أنه الأب البنيوي للأطر المعدنية العضوية. لقد غيّر الطريقة التي يتعامل بها الكيميائيون مع مفهوم "البنية"، فبدلاً من التركيز على الروابط داخل الجزيء، أصبح بالإمكان التفكير في الهندسة الفراغية بين الجزيئات كعنصر أساسي في تصميم المواد. تُستخدم أفكاره الآن في بناء شبكات جزيئية تُصمَّم خصيصاً لتخزين الغازات، أو تحفيز التفاعلات، أو احتجاز الملوِّثات. وما كان في السبعينيات مجرّد تمرينٍ تعليمي أصبح اليوم أساساً لصناعة مواد المستقبل.
و في مسار تطوّر الأطر المعدنية العضوية، يأتي اسم سوسومو كيتاغاوا بوصفه العالِم الذي منح الفكرة جسداً ثابتاً وعمراً طويلاً. فبعد أن وضع ريتشارد روبسون البذرة الأولى لمفهوم المواد المسامية المنظمة، جاء كيتاغاوا ليُحوّل تلك الفكرة من تجربة جميلة لكنها هشة إلى منهج بحثي مستقر أنتج مواد عملية قادرة على الصمود، والتفاعل، والقيام بوظائف محددة. ولعل ما ميّز كيتاغاوا لم يكن فقط مهارته في الكيمياء البنائية، بل أيضاً فلسفته العلمية التي يمكن تلخيصها في مقولته المأثورة: «حتى ما يبدو عديم الفائدة قد يُصبح مفيداً».
سوسومو كيتاغاوا
سوسومو كيتاغاوا نشأ في بيئة علمية هادئة لكنها مفعمة بالفضول. أثناء دراسته الجامعية، تأثر بعمق بأعمال الفيزيائي الياباني الحائز على نوبل هيديكي يوكافا، الذي كان يرى أن قيمة العلم لا تُقاس بمدى فائدته المباشرة، بل بقدرته على فتح آفاق جديدة للفكر. هذه الفكرة رسخت في عقل كيتاغاوا مبدأً جوهرياً: أن البحث عن "اللامفيد" قد يكون الطريق الأقصر لاكتشاف ما هو "مفيد" فعلاً.
حين بدأ أبحاثه في ثمانينيات القرن الماضي في جامعة كينداي، كان اهتمامه منصبّاً على المواد المسامية والبلورات التناسقية (coordination polymers). لم يكن هدفه المباشر إنتاج مواد تطبيقية، بل كان يسعى إلى فهم كيف يمكن ربط المكونات الجزيئية بطريقة تولّد فراغات داخلية دون أن تنهار البنية. كانت محاولاته الأولى بسيطة، ونتج عنها مواد ثنائية الأبعاد قادرة على احتواء جزيئات صغيرة مثل الأسيتون، لكنها غير مستقرة ولا تحمل أي فائدة صناعية واضحة. بالنسبة للعديد من الباحثين في تلك الفترة، كانت هذه النتائج كافية للتخلي عن الفكرة. أما كيتاغاوا فاعتبرها خطوة ضرورية لفهم كيفية بناء المسامية دون التضحية بالثبات البنيوي.
بعد أعوام من التجريب والمثابرة، حقّق كيتاغاوا وطلابه في عام 1997 اختراقاً علمياً غير مسبوق. استخدم في تجاربه أيونات الكوبالت أو النيكل أو الزنك كعُقد معدنية (metal nodes)، وربطها بجزيء عضوي بسيط يُعرف باسم 4,4′-بيبيريدين (4,4′-bipyridine). نتج عن هذا المزج بناءٌ بلوري ثلاثي الأبعاد يتقاطع داخله عدد من القنوات والأنفاق المفتوحة، أي إطار معدني عضوي حقيقي.
عندما جفّف كيتاغاوا المادة من الماء، لم ينهَر البناء البلوري كما توقّع الكثيرون، بل ظلّ ثابتاً ومتماسكاً، محتفظاً بمسامه الداخلية. والأكثر إدهاشاً أنّ هذه المسامات كانت قادرة على امتصاص الغازات مثل الميثان والنيتروجين والأوكسجين، ثم إطلاقها لاحقاً دون أي تغيّر في البنية. كانت تلك المرة الأولى التي يُثبت فيها أن بالإمكان بناء مادة مسامية ومستقرة في آنٍ واحد – وهو التحدي الأكبر الذي واجهه روبسون قبل عقد من الزمان.
لم يكتفِ كيتاغاوا بإثبات الاستقرار البنيوي، بل قدّم بعد عامٍ واحدٍ فقط (1998) رؤيةً جديدة لما يجعل الأطر المعدنية العضوية فريدة فعلاً. ففي بحث نُشر في Bulletin of the Chemical Society of Japan، أوضح أن هذه المواد ليست مجرد نسخ معدنية من الزيولايتات التقليدية، بل هي مواد مرنة يمكنها أن تغيّر شكلها بحسب ما يدخلها أو يخرج منها.
هذه الفكرة التي أسماها “المسامية المرنة” (Flexible Porosity) كانت بمثابة ثورة في التفكير. فبينما كانت المواد المسامية المعروفة حتى ذلك الوقت صلبة وغير قابلة للتغيير، أظهر كيتاغاوا أن بالإمكان بناء هياكل تعمل مثل "الرئة الجزيئية": تمتص الغاز أو السائل، فتتوسع، ثم تعود إلى حالتها الأصلية بعد خروج المحتوى، دون أن تفقد انتظامها
لم يكن طريق كيتاغاوا مفروشاً بالاعتراف. فعندما قدّم طلبات التمويل لأبحاثه الأولى، رُفضت معظمها بدعوى أن المواد التي يصنعها “عديمة الفائدة”. لكنّه استمر في العمل بدافع من قناعته الفلسفية، إلى أن بدأت أعماله تُثبت قيمتها بنفسها. فمع انتشار أبحاثه في نهاية التسعينيات، بدأ علماء الكيمياء حول العالم يدركون أن الأطر المعدنية العضوية ليست مجرد فضول أكاديمي، بل مادة المستقبل. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت مجموعات بحثية في أوروبا والولايات المتحدة بمحاكاة تجاربه وتطويرها، لتصبح الأطر المعدنية العضوية مجالاً قائماً بذاته في علم المواد.
أسّس كيتاغاوا لاحقاً مركزاً بحثياً رائداً في جامعة كيوتو لدراسة المواد المسامية، وأشرف على عشرات المشاريع التي استكشفت إمكانات MOFs في تخزين الغازات، وفصل الملوثات، والتقاط ثاني أكسيد الكربون.
لكن ما يبقى الأهم هو تحويله لمفهوم الفائدة في العلم: فقد أثبت أن الفكرة التي تُعد “عديمة الجدوى” اليوم قد تصبح غداً أداة لحلّ أزمة بيئية أو طاقية. بهذا المعنى، يمكن القول إن كيتاغاوا لم يُنشئ فقط جيلاً جديداً من المواد، بل أسّس نموذجاً جديداً في التفكير العلمي، قوامه الصبر، والتجريب، والإيمان بقيمة الفكرة حتى قبل أن تجد تطبيقها.
عمر محمد ياغي
وُلد عمر م. ياغي في عمّان عام 1965 في أسرة متواضعة الدخل. كان يعيش مع والديه وإخوته في غرفة واحدة بلا كهرباء ولا ماءٍ جارٍ، لكنّ الفقر لم يمنعه من الحلم.
كان الطفل الصغير يجد في المدرسة ملاذاً من ضيق الحياة، وذات يومٍ، دفعه فضوله إلى دخول مكتبة المدرسة المغلقة عادةً. هناك، وقعت عيناه على كتاب غامض مليء بالرسومات الغريبة والمركبات الجزيئية المعقّدة. لم يفهم محتواه، لكنه انبهر بجمال أشكاله الهندسية. كانت تلك اللحظة، كما يروي لاحقاً، بوابة دخوله إلى عالم الكيمياء.
في سن الخامسة عشرة، سافر ياغي إلى الولايات المتحدة لإتمام دراسته، بناءً على رغبة والده. ورغم صعوبة التأقلم مع الحياة الجديدة، وجد في العلم طريقه نحو تحقيق الذات. درس الكيمياء في جامعة ألباني، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين عام 1990، قبل أن يبدأ مسيرته الأكاديمية في جامعة ولاية أريزونا عام 1992.
في بداية تسعينيات القرن العشرين، كانت طرق بناء المواد الجزيئية تعتمد على تفاعلات كيميائية حرارية غير منضبطة؛ حيث يخلط الباحثون المركبات ويُسخّنونها، أملاً في الحصول على البنية المنشودة، وغالباً ما تكون النتيجة خليطاً من منتجات جانبية غير مرغوبة. رأى ياغي في هذا النهج غياباً للتصميم المنهجي الذي ينبغي أن يميّز الكيمياء الحديثة، فقرر أن يتبنّى منهجاً مختلفاً: ربط الوحدات الجزيئية كما تُربط قطع "الليغو"، وفق هندسة محددة مسبقاً تضمن إنتاج بنية بلورية متكررة ومستقرة.
كانت فكرته أن يستخدم أيونات معدنية بوصفها "عُقداً" (nodes) تربطها جزيئات عضوية متعدّدة الوظائف تعمل كـ"روابط" (linkers)، لتتكوّن شبكة ثلاثية الأبعاد ذات فراغات داخلية يمكن التحكم في حجمها وشكلها. وفي عام 1995، نشر أولى نتائجه في مجلة Nature، حيث وصف مادتين جديدتين على هيئة "شبكات جزيئية" مستوية. ولأول مرة في الأدبيات العلمية، استخدم مصطلح Metal–Organic Framework (MOF) لوصف هذا النوع من البنى.
بلغت أبحاث ياغي ذروتها الأولى في عام 1999 عندما أعلن عن تطوير مادة MOF-5، التي أصبحت لاحقاً النموذج المرجعي في هذا المجال. يتكوّن MOF-5 من أيونات الزنك المرتبطة بروابط عضوية تُعرف باسم تيرفثالات (terephthalate). النتيجة كانت شبكة بلورية مكعبة تحتوي على تجاويف ضخمة ومنتظمة. وقد تبيّن أن هذه المادة مستقرة حرارياً حتى 300 درجة مئوية، على خلاف معظم المواد المسامية المعروفة آنذاك.
الأكثر إدهاشاً أن بضعة غرامات فقط من MOF-5 تحتوي على مساحة سطح داخلية تعادل مساحة ملعب كرة قدم، ما يجعلها قادرة على امتصاص كميات هائلة من الغازات مثل الهيدروجين أو ثاني أكسيد الكربون. فتح هذا الاكتشاف الباب أمام سباق عالمي لتصميم آلاف الأطر المعدنية العضوية الجديدة، كل منها مصمم خصيصاً لغرض محدد: التخزين، الفصل، التحفيز، أو المعالجة البيئية.
في مطلع الألفية، انتقل ياغي بخطوته التالية إلى ما هو أعمق من مجرد تطوير مواد جديدة؛ فقد أسّس مفهوم الكيمياء الشبكية (Reticular Chemistry)، وهو علم يقوم على الربط المنهجي بين وحدات بناء مستقلة لإنتاج شبكات بلورية ذات خصائص قابلة للبرمجة. بهذا المفهوم، أصبحت الكيمياء أقرب إلى الهندسة المعمارية، حيث يمكن للعالم أن "يصمّم" المادة على الورق قبل أن يصنعها في المختبر.
بين عامي 2002 و2003، نشر ياغي سلسلة من الأوراق في مجلتي Science وNature عرض فيها إمكان تعديل الأطر المعدنية العضوية لتغيير حجم المسام ووظائفها، مقدّماً 16 نوعاً جديداً من MOF-5 تختلف في خصائصها. من خلال هذه المرونة التصميمية، استطاع أن يُثبت أن الأطر المعدنية العضوية ليست مجرد مواد مسامية، بل منصّات كيميائية قابلة للتخصيص لأي غرض تقريباً.
لم تقتصر أعمال ياغي على المختبر، بل تجاوزته إلى قضايا بيئية وإنسانية كبرى. ففي جامعة كاليفورنيا – بيركلي، طوّر فريقه مواد من نوع MOF-303 قادرة على جمع الماء من هواء الصحراء، حتى في الرطوبة المنخفضة. تُخزّن هذه المواد بخار الماء أثناء الليل، ثم تطلقه صباحاً بفعل حرارة الشمس، منتجة مياهاً صالحة للشرب من الهواء الجاف.
وفي أبحاث أخرى، استخدم أطره لالتقاط ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وتخزين الهيدروجين بأمان في درجات حرارة وضغوط منخفضة، ما يُمهّد الطريق لاستخدامه في خلايا وقودٍ نظيفة وآمنة.
بفضل هذه الابتكارات، أصبح اسم عمر ياغي مقترناً بفكرة «الكيمياء لخدمة الإنسانية»، تماماً كما نصت وصية ألفرد نوبل.
الأطر المعدنية العضوية – المادة الثورية في القرن الحادي والعشرين
مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وبعد أن أرسى ريتشارد روبسون وسوسومو كيتاغاوا وعمر ياغي الأسس النظرية والتجريبية للأطر المعدنية العضوية (Metal–Organic Frameworks – MOFs)، انفتحت أمام الكيمياء بوابة جديدة نحو عالمٍ من المواد الذكية القابلة للتصميم. هذه المواد لم تعد تُعرَّف فقط بتركيبها الذري، بل بقدرتها على احتواء الفراغ والتحكم فيه؛ فالمسامات الداخلية في الأطر المعدنية العضوية أصبحت مختبراً مصغّراً يمكن فيه احتجاز الجزيئات أو تحريرها أو حتى تحويلها. ولأن التحكم في الفراغ هو التحكم في التفاعل، فقد غيّرت MOFs مفهوم المادة الكيميائية ذاته، لتتحول من شيء جامد إلى منظومة وظيفية قابلة للبرمجة.
هندسة الفراغ
تقوم فكرة الأطر المعدنية العضوية على دمج عُقد معدنية (metal nodes) بوصلات عضوية (organic linkers) لتكوين شبكات بلورية متكررة ذات تجاويف واسعة ومنتظمة.
يُمكن تشبيهها بعمارة جزيئية تتكوّن من أعمدة معدنية وجدران عضوية تحدّد مسامات داخلية قابلة للضبط في الحجم والشكل والكيمياء السطحية.
هذه القدرة على التحكم المسبق في البنية الفراغية جعلت منها أدوات فريدة في مجالات الطاقة والبيئة والطب، وأوجدت جيلاً جديداً من المواد التي تؤدي وظائف محددة لم يكن من الممكن تحقيقها بالمواد التقليدية مثل الزيولايتات أو الكربون النشط.
1. التقاط الماء من هواء الصحراء
من أكثر تطبيقات الأطر المعدنية العضوية إثارةً ما قدّمه فريق عمر ياغي في جامعة كاليفورنيا – بيركلي: مادة تُعرف باسم MOF-303. صُمّمت هذه المادة لالتقاط بخار الماء من الهواء حتى في الرطوبة المنخفضة التي لا تتجاوز 20%. في الليل، تمتص المادة بخار الماء داخل مسامها، ومع طلوع الشمس وارتفاع الحرارة، تُحرّر الماء في شكل سائل نقي. بهذه التقنية أصبح من الممكن توليد مياه شرب من الهواء الجاف، ما يفتح آفاقاً جديدة لمناطق تعاني من ندرة المياه. وقد تمكّنت النماذج التجريبية بالفعل من إنتاج مئات المليلترات من الماء يومياً لكل كيلوغرام من المادة.
2. التقاط الكربون من الغلاف الجوي
مع تصاعد أزمة تغيّر المناخ، تحوّلت MOFs إلى أحد أهم المرشحين لتقنيات احتجاز الكربون (Carbon Capture). فبفضل سطحها الداخلي الهائل القابل للتعديل كيميائياً، يمكنها امتصاص ثاني أكسيد الكربون انتقائياً من الغازات المختلطة. أحد النماذج البارزة هو CALF-20، الذي طوّرته فرق بحثية في كندا، ويُستخدم حالياً في محطات صناعية لالتقاط الكربون بكفاءة عالية وبطاقة منخفضة. وتُظهر الدراسات أن بعض أنواع MOFs تستطيع التقاط ما يقارب 25% من وزنها من ثاني أكسيد الكربون، وهي قدرة تفوق بكثير المواد التقليدية.
3. تنقية المياه ومعالجة الملوثات
تُستخدم الأطر المعدنية العضوية اليوم لمعالجة مياه الشرب والمياه الصناعية بفعالية كبيرة.
فعلى سبيل المثال، يُعد UiO-67 نموذجاً بارزاً بفضل قدرته على امتصاص المواد الكيميائية الفلورية (PFAS) المعروفة بثباتها وصعوبة إزالتها من البيئة. كما استخدمت مواد أخرى مثل MIL-101 في تحليل الملوثات العضوية المعقدة، بما في ذلك تفكيك بقايا المضادات الحيوية والنفط الخام في المياه. تُظهر هذه التطبيقات أن MOFs لا تقتصر على الامتصاص الفيزيائي، بل يمكنها أن تؤدي دور المحفّز الكيميائي لتحويل الملوثات إلى مركبات غير ضارة.
4. تخزين الهيدروجين والطاقة النظيفة
الهيدروجين يُعد وقود المستقبل، لكن تخزينه بأمان يُمثل تحدياً كبيراً بسبب قابليته للانفجار عند الضغط العالي.
هنا برزت الأطر المعدنية العضوية كحلٍّ مبتكر. فقد طوّرت مجموعة بحثية في جامعة نورث وسترن مادة تُعرف باسم NU-1501، تتميز بقدرتها على تخزين وإطلاق الهيدروجين عند الضغط الجوي العادي، ما يقلّل المخاطر المرتبطة بالتخزين المضغوط. كما تُستخدم أنواع أخرى من MOFs لتخزين غازات مثل الميثان أو الأوكسجين بكثافة عالية، ما يفتح الباب أمام تطوير بطاريات غازية وأنظمة وقود خفيفة للمركبات والطائرات.
5. تحييد الغازات السامة وإزالة الملوثات الصناعية
بعض الأطر المعدنية العضوية صُمم خصيصاً للتعامل مع الغازات السامة المستخدمة في الصناعات الإلكترونية أو الكيميائية. تُظهر دراسات أن مواد معينة قادرة على امتصاص غازات مثل الأمونيا أو الفوسجين أو حتى غازات الحرب الكيميائية ثم تفكيكها إلى مركبات غير ضارة.
يُستخدم أحد هذه الأنواع بالفعل في صناعة أشباه الموصلات، حيث تُحتجز الغازات الضارة داخل المادة بدلاً من انطلاقها في الهواء.
6. الأطر المرنة – مواد تتنفس وتستجيب
واحدة من الخصائص المدهشة لبعض MOFs هي قدرتها على تغيير شكلها استجابةً للمؤثرات الخارجية.
فمثلاً، عندما يُملأ الإطار بالغاز أو السائل، تتمدد المسامات الداخلية، وعندما يُفرَّغ، تعود إلى حالتها الأصلية، دون أن تفقد انتظامها البلوري. هذا السلوك، الذي اكتشفه كيتاغاوا وطورته فرق أخرى لاحقاً، جعل من الأطر المعدنية العضوية مواد “حية” بالمعنى الجزيئي، تتفاعل وتتأقلم مع بيئتها بطريقة تشبه الكائنات الحية.
من البحث إلى الصناعة
خلال العقدين الماضيين، انتقلت الأطر المعدنية العضوية من نطاق الأبحاث الأكاديمية إلى مرحلة التصنيع التجاري. شركات في أوروبا وأمريكا وآسيا بدأت إنتاج هذه المواد بكميات صناعية لاستخدامها في الفصل الغازي، وتنقية المياه، وصناعة الإلكترونيات، وحتى في أنظمة التبريد وتوليد الطاقة.
ورغم أن كثيراً من التطبيقات لا تزال في مراحل التطوير، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن MOFs ستُصبح مادة أساسية في البنية التكنولوجية المستقبلية، تماماً كما كانت البوليمرات في القرن العشرين.
تُذكّرنا جائزة نوبل للكيمياء 2025 بأن العلوم الكبرى لا تُقاس فقط بما تكتشفه، بل بما تغيّره في نظرتنا إلى الوجود. فما فعله روبسون وكيتاغاوا وياغي ليس مجرد ابتكار لمادة جديدة، بل إعادة تعريف لما يمكن أن تفعله المادة ذاتها. لقد قدّموا نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه الكيمياء في القرن الحادي والعشرين: علمٌ بنّاء، متفاعل، وإنساني في جوهره.
وبفضل أعمالهم، أصبح في متناول الكيمياء أن تبني عالماً جديداً، عالماً تتحول فيه المسامات إلى مصانع مصغّرة، والفراغات إلى موارد، والمادة إلى شريكٍ في استدامة الحياة. وهكذا، تظل جائزة نوبل للكيمياء 2025 شاهداً على أن الخيال العلمي حين يُوجَّه بالعقل يمكن أن يُعيد صياغة علاقتنا بالمادة... وبأنفسنا.






